إبن سهل الطبري

23

فردوس الحكمة في الطب

لها ظاهر عام واثر عجيب في الأنفس والأبدان لا يخفى على أحد ، والله مدبر ذلك وغيره والعالم بما خفي عن العباد من علله وأسبابه ، فان الشمس إذا طلعت تغيرت عامة الأرضيات ، وكذلك إذا غربت فان منها ما يذوب ، ومنها ما يجمد ، ومنها ما يجف ، ومنها ما يلين ، ومنها ما يصلب ، ومنها ما يبيض ، ومنها ما يسود ، ومنها ما يعمي ، ومنها ما يبصر ، ويجترئ بعض ، ويجبن بعض ، وينتبه بعض ، وينام بعض ، فالذي يلين ويذوب مثل السمن والشمع ، وما يجف ويصلب مثل الطين والعجين ، ويبيض بها الهواء والماء ، ويسود جلود الناس ، ويعمى عند طلوعها الخفاش والبوم " ويبصر عند طلوعها البشر الكاملين آلة البصر ، وذلك بيان مقنع " الباب العاشر فيما يحدث من فعل الطبائع في الهواء وتحت الأرض قال الفيلسوف ان كل جسم يتحرك حركة شديدة فإنه يلتهب ويلهب ما قرب منه ، فلما تحركت الاجرام السماوية حركة دائمة مستديرة مسرعة تحول بحركتها ما اتصل بها والتهب لذلك بالحرارة ، حتى اتصل ذلك الحر بالهواء ، ومن الهواء بالأرض ، وإذا عملت حرارة الشمس في رطوبات الأرض وحللتها ارتفع منها ألوان البخارات ، لأنه ترفع من كل بحر ونهر وارض وجسم من الأجسام البخارات فيظهر بعضها ويبطن بعض ، فيصير مما ظهر من تلك البخارات وكان رطبا ثقيلا المطر ، ومما تكاثف منها الضباب والغمام ، ومما كان منها حارا رطبا الرياح ، ويكون مما بطن في الأرض من تلك البخارات أنواع الجواهر المعدنية على قدر قوى تلك الأرض والبخارات وألوانها ، فان احتبست البخارات في مجارى الأرض ولم تجد مخرجا اضطربت وتحركت الأرض